تطرح هيرميلا كيدان، الباحثة في هورن ريفيو، قراءة نقدية للرواية المصرية بشأن أزمة المياه وسد النهضة الإثيوبي، معتبرة أن تصوير السد بوصفه خطرًا وجوديًا على الأمن المائي لمصر يتجاهل عوامل أخرى تتعلق بموارد البلاد المائية وأنماط استهلاكها وسياساتها الإقليمية. وترى كيدان أن الخطاب المصري بشأن الندرة المائية يتزامن مع امتلاك مصر احتياطيات كبيرة من المياه الجوفية غير المتجددة، إلى جانب استمرار ممارسات زراعية تستهلك كميات ضخمة من المياه، بما يثير، وفق تحليلها، تساؤلات حول مدى ارتباط الموقف المصري بالحاجة المائية وحدها.
ويستند المقال المنشور في هورن ريفيو إلى تحليل لقاعدة الموارد المائية في مصر وأنماط استهلاكها وسلوكها الإقليمي، في مقابل المبررات التي تطرحها إثيوبيا بشأن حقها في استغلال مواردها المائية لتوليد الكهرباء. ويذهب المقال إلى أن الخلاف حول النيل لا يرتبط فقط بمسألة الندرة، بل يتصل أيضًا بحقوق دول المنبع والمصب وبالترتيبات التاريخية لإدارة مياه النهر.
خزان جوفي هائل وممارسات زراعية كثيفة الاستهلاك
يشير المقال إلى أن خزان الحجر الرملي النوبي يُعد أكبر خزان معروف للمياه الجوفية الأحفورية في العالم، ويمتد على مساحة تتجاوز مليوني كيلومتر مربع عبر مصر وليبيا والسودان وتشاد. وتُقدّر كمية المياه المخزنة فيه بنحو 150 ألف كيلومتر مكعب، يقع جزء كبير منها أسفل الأراضي المصرية.
ويرى المقال أن حجم هذا المخزون يعادل مئات السنين من متوسط تدفق مياه النيل، مع التأكيد على أن المياه الجوفية الأحفورية مورد غير متجدد، ما يجعل استغلالها بحاجة إلى إدارة حذرة لتجنب استنزافها بصورة لا يمكن عكسها. ومع ذلك، يخلص التحليل إلى أن استخدام الخزان بمعدلات محسوبة يمكن أن يوفر لمصر هامشًا زمنيًا طويلًا لمواجهة الطلب على المياه، وهو ما يضعف، بحسب المقال، تصوير الوضع المائي المصري باعتباره عرضة لخطر وجودي مطلق.
ويشير المقال كذلك إلى أن الزراعة تستهلك نحو 76 إلى 80% من إجمالي المياه في مصر، بينما لا تزال طرق الري بالغمر والري بالأخاديد منتشرة على نطاق واسع، ما يؤدي إلى خسائر كبيرة أثناء نقل المياه واستخدامها. كما تستمر زراعة محاصيل مرتفعة الاستهلاك للمياه، مثل الأرز وقصب السكر، رغم التحذيرات الفنية المتكررة بشأن أعبائها المائية.
ويلفت المقال إلى ضعف الحوافز التي تشجع على ترشيد استخدام المياه نتيجة غياب التسعير الحجمي للمياه ورسوم سحبها والتصاريح الرسمية في الأراضي الزراعية القديمة، إلى جانب استمرار بعض سياسات دعم مستلزمات الإنتاج. ويرى أن النمو السكاني والتوسع الاقتصادي يفرضان ضغوطًا حقيقية على الموارد المائية، لكنه يعتبر تلك الضغوط تحديات داخلية ينبغي التعامل معها من خلال إصلاح إدارة الطلب على المياه، وليس تحميلها بالكامل لدول المنبع.
مشروعات استصلاح الصحراء وسياسة مصر تجاه دول المنبع
يستعرض المقال كذلك مشروعات مصر الكبرى لاستصلاح الأراضي والتوسع العمراني في المناطق الصحراوية، مشيرًا إلى مشروعات توشكى والوادي الجديد والعاصمة الإدارية الجديدة، والتي تتطلب نقل المياه إلى مناطق شديدة الجفاف لدعم الزراعة والتوسع الحضري.
ويرى الكاتب أن هذه المشروعات تعكس قدرة مصر على إعادة توجيه مواردها المائية، بما فيها مياه النيل والمياه الجوفية، لخدمة مشروعات تنموية واسعة النطاق. وفي المقابل، يشير إلى مبادرة الإرث الأخضر الإثيوبية التي تقول إثيوبيا إنها أسهمت في زراعة أكثر من 50 مليار شتلة منذ عام 2019، معتبرًا أن هذه الجهود يمكن أن تعزز قدرة الأحواض المائية على الصمود وتحد من معدلات ترسب الطمي.
ويعتبر المقال أن التباين بين التوسع المصري في مشروعات تستهلك المياه داخل المناطق الصحراوية وبين اعتراض القاهرة على مشروعات إثيوبيا لتوليد الكهرباء من مياه النيل الأزرق يعكس، بحسب وجهة نظره، خلافًا أعمق حول كيفية إدارة موارد الحوض.
ويعود المقال إلى الاتفاقيتين الموقعتين عامي 1929 و1959، مشيرًا إلى أنهما نظمتا توزيع مياه النيل بين مصر والسودان من دون مشاركة دول المنبع التي تسهم في الجزء الأكبر من تدفقات النيل الأزرق. كما ينتقد موقف مصر من الاتفاقية الإطارية لحوض النيل ومبدأ الاستخدام المنصف والمعقول للموارد المائية.
ويربط الكاتب الموقف المصري أيضًا بعلاقات القاهرة مع السودان، معتبرًا أن الدعم السياسي والعسكري الذي تقدمه مصر للقوات المسلحة السودانية يعكس، من وجهة نظره، رغبة القاهرة في الحفاظ على شريك موالٍ لها في دولة المصب. ويخلص إلى أن السياسة الإقليمية المصرية، بحسب تقييمه، تركز على الحفاظ على نفوذها التاريخي أكثر من تركيزها على بناء إطار تعاوني لإدارة حوض النيل.
سد النهضة وحق إثيوبيا في التنمية المائية
يؤكد المقال أن موقف إثيوبيا يستند إلى اعتبارات تنموية وقانونية، مشيرًا إلى أن سد النهضة جرى تمويله من موارد محلية وقروض مصرفية وسندات ومساهمات من المواطنين، ما سمح لأديس أبابا بتجنب الشروط الخارجية المرتبطة بالتمويل الدولي.
ويشير إلى أن الهدف الأساسي للسد هو توليد الكهرباء، وأن الطاقة الكهرومائية لا تستهلك المياه بصورة مباشرة، إذ تمر المياه عبر التوربينات ثم تواصل تدفقها باتجاه دول المصب. ويعتبر الكاتب أن المشروع يعالج عجزًا تنمويًا أساسيًا في إثيوبيا، في ظل استمرار معاناة نسبة كبيرة من السكان من ضعف الوصول إلى الكهرباء بصورة موثوقة.
ويضيف المقال أن إثيوبيا أعلنت مرارًا استعدادها للتنسيق بشأن تشغيل السد وتبادل البيانات، لكنه يرى أن العقبة الأساسية تتمثل في إصرار مصر على شروط قد تؤدي عمليًا إلى تقييد استخدام دول المنبع لمواردها المائية بصورة دائمة.
وبحسب التحليل، لا تلغي الزيادة السكانية والطموحات الاقتصادية في مصر حق إثيوبيا في تنمية مواردها، ما دامت عمليات تشغيل السد لا تتسبب في ضرر جسيم للدول الأخرى. ويعتبر الكاتب أن تشغيل السد لأغراض توليد الكهرباء يمكن أن يتوافق مع مبدأ الاستخدام المنصف للموارد المائية.
ويخلص المقال إلى أن معارضة مصر لسد النهضة، وفق رؤيته، لا تعكس فقط حاجة مائية مطلقة، وإنما ترتبط أيضًا بالرغبة في الحفاظ على نفوذ غير متكافئ داخل حوض النيل. ويرى أن امتلاك مصر احتياطيات كبيرة من المياه الجوفية، واستمرار بعض ممارسات إهدار المياه في الزراعة، والتوسع في المشروعات الصحراوية، كلها عوامل تستحق أن تدخل في تقييم أزمة المياه بدلًا من اختزالها في مشروع سد النهضة وحده.
ويؤكد الكاتب أن مستقبل نهر النيل سيتوقف على قدرة دول الحوض على الانتقال إلى نظام أكثر توازنًا يقوم على الحقوق المتبادلة والمسؤولية المشتركة، بدلًا من استمرار الاعتماد على ترتيبات تاريخية يرى أنها لم تعد تعكس الواقع المائي والقانوني والسياسي في المنطقة.
https://hornreview.org/2026/09/23/egypts-scarcity-narrative-and-the-reality-of-nile-water-use/

